القاضي التنوخي

171

الفرج بعد الشدة

فلم أشكّ في التّلف ، وأنّ الأسد سيمدّ يده ، فيجذبني من على الحمار ، فغمّضت عيني لئلا أرى كيف أحصل في مخالبه ، وأقبلت أتشهّد ، وأقرأ ، وأنا مع ذلك أجد عقلي ثابتا ، ومتصوّرا لهيأة الأسد ، ولم يفدني التّغميض شيئا . ثم ذكرت في الحال حكاية كنت أسمعها ، أنّ الأسد لا يفترس الإنسان وهو مواجه له ، فاستدرت وفتحت عينيّ في عينيه ، وأقبلت أتشهّد خفيّا ، والأسد فاتح فاه ، وأنا أتأمّل أسنانه ، وتصل إلى أنفي من فمه روائح منتنة . فإنّي [ 228 ر ] لكذلك إذ لحقني الصبيّ المملوك على البغلة ، ومعه رجل راكب دابة ، ووراءهما قوم مشاة . فحين رأى المملوك تلك الحالة ، جزع جزعا شديدا ، وصاح بأعلى صوته : يا معاشر المسلمين أدركونا ، فقد افترس الأسد مولاي العلويّ . فحين سمع الأسد الصياح من ورائه [ 56 ن ] انزعج ، والتفت ، فرأى الصبيّ قريبا إليه ، فتناوله من أعلى السرج ، وعار البغل « 5 » وحصل الصبيّ في فم الأسد ، كالفأرة في فم السنّور ، وأنا كالميت إلّا أني أحصّل ما أرى من ذلك . وأقبل الأسد يحمل على راكب الدابّة ، والمشاة ، والصبيّ في فمه ، فهربوا منه ، ودخل الأجمة . فقلت في نفسي : قد فداني اللّه عزّ وجلّ بمملوكي ، وخلّص نفسي بيسير من مالي ، فما وقوفي ؟ فرميت بنفسي عن الحمار ، وفررت أعدو على المسنّاة ، فتلقّاني قوم قد جاءوا من الكوفة ، ورأوا حيرتي ، وفزعي ، فسألوني عن أمري ، فأخبرتهم . فتقدّموا يطلبون الأسد ، وقويت نفسي ، فزدت في العدو ، إلى أن خرجت من الأجمة ، ولحقني الرفقة التي كنت فيها ، وقد عقلوا البغلة التي كانت تحت مملوكي ، وساقوا الحمار ، فركبته ، ودخلت الكوفة .

--> ( 5 ) عار البغل : ذهب على وجهه لا يثنيه شيء .